الانتخابات الرئاسية في السنغال وتأثيراتها المحلية والثنائية والإقليمية

ثلاثاء, 16/04/2024 - 15:04

شهد السنغال نهاية شهر مارس المنصرم انتخابات رئاسية فاز فيها مرشح المعارضة باصيرو جوماي فاي وأصبح رسميا الرئيس الخامس الذي يتسلم السلطة إثر انتقال دستوري سلمي على السلطة في هذا البلد.

 

سنتناول في هذه الورقة هذا الحدث الهام وتأثيراته المحتملة في الداخل السنغالي وفي منطقة الغرب الإفريقي وكذا تأثيراته المحتملة على العلاقات الثنائية بين موريتانيا والجارة الجنوبية.

 

معطيات عامة

 

تقع جمهورية السنغال في منطقة الغرب الإفريقي ويبلغ عدد سكانها وفق آخر الإحصائيات زهاء 18 مليون نسمة يعيشون على حيز جغرافي تبلغ مساحته 196.722 كلم2، فيما يبلغ ناتجها الداخلي الخام 27 مليار دولار، وتعتبر الزراعة أهم نشاط اقتصادي في البلد. يعاني اقتصاد السنغال، بحسب أحدث تقارير البنك الدولي من مشاكل بنيوية تتمثل في ارتفاع نسبة التضخم وتراجع نسبة النمو في السنة الماضية 2023، علاوة على تزايد أهمية دور القطاع غير المصنف وضعف الإنتاجية مع هجرة اليد العاملة الشابة. رغم ذلك، لا تزال السنغال، وفق مصادر أخرى، القوة الاقتصادية الرابعة في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا CEDEAO  بعد نيجيريا وغانا وساحل العاج، كما أنها أنجزت خلال العقدين الماضيين مشاريع مهمة في مجال البنى التحتية والنقل بشكل خاص.

 

الوضع السياسي الراهن

 

جاءت الانتخابات الرئاسية الأخيرة بعد فترة من القلاقل والتوترات السياسية شهدتها المأمورية الثانية للرئيس ماكي صال وكانت من ضمن محطاتها الصراع مع الخصوم السياسيين: نجل الرئيس السابق كريم واد من الحزب الديمقراطي السنغالي PDS، عمدة دكار السابق خليفة صال، زعيم حزب "تخاوو سنغال" Taxawu Sénégal وهو تحالف تأسس 2014 و يضم بقايا أحد أعرق الأحزاب السياسية في السنغال، الحزب الاشتراكي PS، وشخصيات سياسية معارضة عديدة، وأخيرا محاكمة زعيم حزب "باستيف " Pastef (الوطنيون الأفارقة السنغاليون من أجل العمل والأخلاق والأخوة المؤسس سنة 2014) المعارض والقيادي أيضا في تحالف "يوي أسكان وي"  Yewwi Askan Wi

 (ليتحرر الشعب)، عثمان صونكو، وإعلان عدم أهليته للترشح على أساس حكم قضائي صادر بحقه. علاوة على ذلك شهد الطيف السياسي الموالي لماكي صال تصدعات كبيرة، فحاول هذا الأخير تأجيل الانتخابات الرئاسية عن موعدها، مقدما حججا أهمها وجود شبهات حول تلقي بعض أعضاء المجلس الدستوري رشاوى من بعض السياسيين، وهو قرار فاقم من وتيرة الاحتجاجات وجُوبٍه بمعارضة قوية من قبل عديد القوى السياسية حتى تم إلغاؤه من قبل المجلس الدستوري الذي أوعز للرئيس صال بضرورة تنظيم الانتخابات في الآجال التي يحددها الدستور، وبالطبع أذعن الرئيس المنتهية ولايته لهذا القرار وشرع في الترتيب لتنظيم الانتخابات إلى أن جرت في ظروف طبعها الهدوء في 24 مارس.

 

ما بين فترة قرار المجلس الدستوري الملغي لقرار الرئيس بتأجيل الانتخابات وتنظيم هذا الاقتراع حدثت تطورات متلاحقة، كان من أبرزها بحسب عديد المراقبين التقارب المفاجئ بين ماكي صال و الثنائي صونكو ـ فاي، وفي نفس الوقت، يقول البعض إن الرئيس المنصرف أدار ظهره لمرشح معسكره السياسي للانتخابات الرئاسية، آمادو با، نتيجة خلافات شخصية بين الاثنين، وهذا التطور قد يكون مهد الطريق أكثر أمام فوز المترشح باصيرو جوماي فاي الذي حظي أيضا بدعم كريم واد، زعيم الحزب الديمقراطي السنغالي PDS .

تسلم الرئيس الجديد المنتخب السلطة يوم 2 ابريل من سلفه في حفل حضره العديد من رؤساء القارة السمراء ووفود من مختلف أنحاء العالم.

 

لا شك أن هذا التحول الديمقراطي ستكون له انعكاساته على الداخل السنغالي أولا حيث تم انتخاب أصغر رئيس في تاريخ هذا البلد لم تكن له تجربة كبيرة في مجال إدارة الشؤون العامة، فأعلى منصب عمومي سبق أن تقلده باصيرو فاي هو مفتش في المالية العمومية، مع توليه منصبي الأمين العام لنقابة مفتشي الضرائب والأملاك العقارية العمومية ثم منصب الأمين العام لحزب "باستيف"، كما أن مُلْهٍمَهُ السياسي الذي يرجع له الفضل أيضا في ترشيحه لهذا المنصب، عثمان صونكو، والذي أصبح رئيسا للوزراء ليس بأحسن حال منه في العمل في المجال العمومي، حيث ظل هو الآخر مفتش رئيسي في الضرائب وأملاك الدولة ثم محقق ضريبي ومدقق، لكن لهذا الأخير تجربة معتبرة في العمل السياسي، منها نائب في الجمعية الوطنية من 2017 إلى 2022 ثم عمدة مدينة زيكنشور، الواقعة في إقليم كازامانص، منذ 2022 ، علاوة على توليه رئاسة حزب باستيف الذي أنشأه سنة 2014 .

 

مشكل تنفيذ الوعود الانتخابية

 

تمحورت أهم تعهدات الرئيس المنتخب خلال الحملة الانتخابية، والتي أكد بعضها في خطاب التنصيب، حول:

 

ـ العمل على الرفع من أهمية القطاع الأولي (الزراعة) حتى يتحقق الاكتفاء الذاتي في مادة الأرز بشكل خاص؛

 

- إعادة تأسيس الديمقراطية عبر رد الاعتبار للمؤسسات الجمهورية، إقامة دولة القانون، الحد من سلطات الرئيس، إنشاء منصب نائب الرئيس، حظر تعدد المناصب الانتخابية، محاربة الفساد، خلق عقوبات بديلة عن السجون؛

 

- إعادة تملك الثروات بتجسيد سيادة الدولة المستقلة القادرة على إقامة شراكات على أساس مبدأ "المنافع المتبادلة"؛ في هذا الإطار شدد الرئيس الجديد خلال حملته على أنه سيعمل على مراجعة اتفاقيات المعادن والمحروقات وإعادة تقييم اتفاقيات ثروات الصيد مع الفاعلين الأجانب والتي "تنهبها السفن الأوروبية والآسيوية" حسب قوله؛

 

ـ وعد أيضا خلال حملته بإنشاء عملة وطنية تحل محل الفرنك الغرب إفريقي في إطار المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، فإن تعذر ذلك فبقرار سيادي وطني؛

 

- إعادة توازن الشراكات مع العالم، بما في ذلك الشراكة مع فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة.

 

مع أن بعض هذه الوعود قابل للإنجاز، لكن تقف أمام بعضها الآخر عراقيل جمة كما سنرى.

 

العقبات التي تواجه النظام الجديد

 

بحسب عديد المراقبين، من بين العقبات العديدة التي تواجه النظام الجديد والذي يقدم نفسه على أنه يشكل "قطيعة" مع الطريقة التي كانت تدار بها الأمور في العهد المنتهي:

 

ـ عدم خبرة الحكام الجدد في تسيير الشؤون العامة كما أسلفنا؛

 

ـ وجود نظام برأسين في السنغال لأول مرة: الرئيس المنتخب باصيرو فاي وملهمه ومن برجع له الفضل في ترشيحه لخوض سباق الانتخابات ومن وقف معه إلى أن فاز في الاستحقاق: رئيس الحكومة المعين : عثمان صونكو؛

 

- عدم توفره على أغلبية في الجمعية الوطنية، فحزب باستيف ـ الوطنيون Pastef – Les Patriotes لا يتوفر إلا على أقلية لا تمكنه من تمرير مشاريع القوانين التي قد تقدمها الحكومة الجديدة، وهو ما يحتم على الرئيس الجديد تسيير البلد بمراسيم قوانين حسب بعض المختصين وحتى شهر سبتمبر المقبل، التاريخ الذي بحلوله يصبح بالإمكان حل الجمعية الوطنية؛

 

ـ تعجل مناصروه على ظهور نتائج ملموسة على أرض الوقائع.

وكمثال على تلك العقبات، أثار تشكيل الحكومة الجديدة والذي حصلت فيها المرأة على أربع حقائب وزارية ردة فعلة مغاضبة من المنظمات النسوية والتي كانت تريد نسبة تمثيل أعلى في الجهاز التنفيذي.

تأثير الانتخابات في شبه المنطقة

 

لا شك أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في السنغال كان لها وقع إيجابي في شبه المنطقة، وبالأخص على مستوى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا CEDEAO التي شهدت العديد من بلدانها انتقالا غير دستوري للسلطة : مالي، بوركينا فاسو، النيجر، فقدمت خيارا ديمقراطيا للتغيير الدستوري الهادئ عبر صناديق الاقتراع، بدل فوهات البنادق، وذلك في سياق إقليمي ودولي يتسم بتفاقم الصراعات وتزايد بؤر التوتر والتنافس بين القوى العظمى على مناطق التأثير عبر العالم، فيما يذكر بحقبة الحرب الباردة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط جدار برلين في نهاية ثمانينيات القرن الماضي بين المعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقا والمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

التأثيرات المحتملة للوضع الجديد في السنغال على العلاقات الثنائية مع موريتانيا

 

كشعبين جارين تربطهما علاقات تاريخية واجتماعية وروحية وثقافية واقتصادية تمتد على مدى زهاء ألف سنة وكبلدين اتسمت علاقاتهما الثنائية بالاحترام والتعاون المتبادل منذ استقلالهما في ستينيات القرن الماضي وحتى الآن، فإن أي تغيير في هرم السلطة في أي منهما سيهم بدون شك البلد الآخر. ففور إعلان النتائج الرسمية بفوز باصيرو ديوماي فاي كرئيس جديد للسنغال، هنأه رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني كما أن هذا الأخير شارك في مراسيم تنصيب الرئيس فاي في الثاني من الشهر الحالي.

 

الجانب الاقتصادي هو أهم مرتكزات التعاون بين البلدين. فمن ناحية توجد جالية لكل منهما في البلد الآخر لها دورها ومساهمتها في العملية التنموية لبلدها الأصلي. هناك أيضا التعاون في مجال تسيير واستغلال مياه نهر السنغال، ويتم ذلك عبر منظمة استثمار نهر السنغال التي أنشئت سنة 1972 وهما عضوان فيها إلى جانب مالي وغينيا كوناكري، كما أن هناك موضوع الصيد البحري وقد تم توقيع عدة اتفاقيات في السابق بين الطرفين مكنت مئات الصيادين السنغاليين من اصطياد الأسماك على سواحلنا، ويلعب حجم كميات الأسماك المصطادة دورا معتبرا في توفير مادة السمك لجمهور عريض من السنغاليين، وبالأخص في مدينة اندر (سينلوي) والمدن والقرى القريبة منها. تلعب الثروة الحيوانية دورا هاما كذلك في تنشيط العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث تستورد السنغال سنويا الآلاف من رؤوس الأغنام من بلدنا، وبالأخص في فترات عيد الأضحى، كما تستقبل السنغال على أراضيها قطعانا من المواشي الموريتانية للانتجاع على أراضيها بشكل موسمي أو دائم.

 

علاوة على ما ذُكِرَ آنفا، يرتبط البلدان منذ سنوات، مع شركات أجنبية عديدة، مثل بريتش بتروليوم BP البريطانية وكوسموس أنيرجي Kosmos Energy الأمريكية، باتفاقيات لاستخراج الغاز والنفط من مقاطع تقع على الحدود بين البلدين غير بعيد من مصب نهر السنغال وفي المياه الإقليمية من المحيط الأطلسي لهما، وهي ثروة يعول شعبا البلدين عليها كثيرا في تحسين ظروفهما الاقتصادية.

 

لا شك أن أهمية هذه العلاقات والمحافظة عليها سيكون موضوعا مهما بالنسبة للحكام الجدد في السنغال، لأن جوانبها مترابطة وتأثيرها مباشر على الحياة الاقتصادية لكل من البلدين، ثم إن مراجعة اتفاقيات المحروقات مع الفاعلين الاقتصاديين الأجانب التي وردت في تعهدات الرئيس السنغالي المنتخب موضوع لا يتعلق فقط بالسنغال بل بموريتانيا أيضا، وهي علاوة على ذلك اتفاقيات متعددة الأطراف يتطلب إعادة النظر فيها التشاور مع كل موقعيها. أما بقية الجوانب الأخرى، فالسنغال هي المستفيد الأكبر أو لها مصلحة كبيرة فيها: الصيد، توريد المواشي، الدور الاقتصادي لجاليتها المقيمة في موريتانيا. أما بخصوص الجانب المتعلق باستغلال مياه نهر السنغال والذي تحكمه اتفاقيات ومعاهدات منظمة استثمار نهر السنغال، فمع أنه مهم لكل البلدان الأعضاء في المنظمة المذكورة، فإنه مهم بشكل خاص لموريتانيا للدور الذي يلعبه، ليس فقط في الزراعة المروية على ضفتنا من النهر، ولكن أيضا لأهميته في توفير مياه الشرب لبعض مدننا وقرانا التي تعاني من شح في المصادر المائية، ومنها العاصمة نواكشوط.

 

لقد تميزت العلاقات بين البلدين منذ استقلالهما، عموما، بالتعاون البناء بينهما باستثناء ما وقع نهاية ثمانينيات القرن الماضي فيما اصطلح على تسميته بأحداث 89 والتي جرت في فترة خاصة من تاريخهما وتاريخ المنطقة والعالم اتسمت بتفاقم المشاكل الداخلية في كل منهما وصعوبة إيجاد حلول لها من قبل النظامين القائمين حينها، مع أنهما في النهاية نجحا في تفادي الأسوأ: نشوب صراع مسلح بين الطرفين. صحيح أن تداعيات تلك الأحداث وما انجر عنها من مآس اكتوى بها كل بلد على حدة، لكنها في النهاية تم تجاوزها بفضل تضافر الجهود الرسمية والشعبية إلى ما هو أهم أجدى وأنفع للدولتين: التعاون البناء الذي يصب في مصلحة كل منهما وتسوية الخلافات البينية عبر المفاوضات الجادة والهادئة.

 

فعلى الحكام الجدد في السنغال استيعاب مسار العلاقات بين الدولتين وأخذ الدروس والعبر من ذلك، وبالأخص فهم حقيقة أن تصدير المشاكل الداخلية للجيران عبر خطاب شعبوي مغرض، مهما كانت قوة الضغوط والتحديات المحلية، لن يكون إلا تكرارا لخطأ جربه أحد أسلافهم وتبين أنه لا يخدم بلدهم ولا شعبهم و أن الأفضل هو النظرة الواقعية المستنيرة التي تسعى إلى توطيد وتعزيز صرح العلاقات بين البلدين وتقوية الأواصر بينهما على مختلف الصعد.

 

بالمقابل، علينا نحن كبلد وكحكومة فهم اللحظة التي يمر بها جارنا الجنوبي ومنطقتا الغرب الإفريقي والساحل وما تشهدان من تطورات متسارعة تتعين مواكبتها بأكثر المقاربات يقظة وتبصرا ونجاعة في مختلف المجالات وعلى كل المستويات.

الدكتور أحمد ولد المصطف

أستاذ بجامعة نواكشوط